الاتحاد الأوروبي يريد من تونس والمغرب فلاحتهما. ويريد من الجزائر مخزوناتها الغازية. ويريد من ليبيا ثرواتها النفطية العائمة. بينما تعجز دول الاتحاد المغاربي على تلبية حاجيات بعضها البعض.

مرت 27 سنة على الإعلان عن قيام اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير 1989. ومع ذلك ظل هذا الاتحاد مشلولا. ولم تنجح سياسات الحكومات والأنظمة القائمة في المنطقة في تفعيل الاتحاد ولا حتى في الشروع في ذلك، إذ لم تنجز خطوط النقل البري والحديد المبرمجة بين الدول المغاربية. ولم تنشأ أي منطقة للتبادل الحر ولو بين دولتين من دول الاتحاد الخمس.

في المقابل يأخذ الاتحاد الأوروبي نصيب الأسد في المعاملات التجارية لدول المغرب العربي بنسبة تبلغ 60 بالمئة. فأكثر من نصف المعاملات التجارية التونسية تتم مع الاتحاد الأوروبي. وكذلك الشأن بين الجزائر والاتحاد الأوروبي الذي يأخذ حصة 50 بالمئة تقريبا من حجم المبادلات التجارية الجزائرية مع الخارج بقيمة حوالي 40 مليار دولار. أما المغرب فيمثل التبادل التجاري له مع الاتحاد الأوروبي 70 بالمئة من إجمالي مبادلاته التجارية الدولية. ويمثل الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لموريتانيا لا سيما في قطاع الصيد البحري.

ويبدو أن الحكومة التونسية تيقظت لمخاطر الانغلاق التجاري الذي تردت فيه بسبب تسليم زمام أمورها التجارية للاتحاد الأوروبي، وأمورها المالية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بما يهدد أمنها واستقلالها الماليين. فسارع رئيس الحكومة الحبيب الصيد لزيارة الجزائر الشهر الماضي، ألحقها بزيارة أخرى سرية منذ أسبوعين إلى ليبيا، وختمها بثالثة إلى المغرب مطلع هذا الأسبوع كانت مؤجلة منذ فبراير الماضي.

ولم تكن هذه الزيارات المغاربية لرئيس الحكومة التونسية إلا تعبيرا صريحا عن ضعف العلاقات التجارية والاقتصادية بين تونس ودول اتحاد المغرب العربي. فحجم التبادل التجاري بين الدول المغاربية لا يتجاوز 3 بالمئة من الحجم الإجمالي لمعاملاتها التجارية الخارجية.

وحجم التبادل التجاري بين تونس والمغرب لا يتجاوز 350 مليون دولار. وتحتل تونس مرتبة متأخرة في قائمة شركاء المغرب، إذ هي الشريك رقم 48، بينما شهد التبادل التجـاري بين تونس والجزائر تراجعا بنحو ثلاثة ملايين دولار، فيما تراجعـت الصـادرات التونسية نحو ليبيا 6.4 بالمئة، في ظل ارتفاع وتيرة التجارة الموازية. بينمـا لا يبلـغ حجم التبادل التجاري بين تونس وموريتانيا 50 مليون دولار.

وما تراجع التبادل التجاري بين تونس وليبيا الضعيف أصلا إلى النصف إلا بسبب ارتفاع وتيرة التجارة الموازية التي تجاوزت نسبة 50 بالمئة من حجم المبادلات. التهريب من ليبيا ومن الجزائر يكلّف تونس أكثر من مليار دولار سنويا. وهو ما يشكل إعاقة حقيقية لكل محاولات التنمية التجارية الثنائية والإقليمية. وليس ذلك إلا دليلا على عجز دول المغرب، منفردة، عن مقاومة ظاهرة التهريب والتجارة الموازية. ومع هذا الوعي الذي تكشفه الأرقام لم تتوفق حكومات دول المغرب العربي إلى صيغ سياسية وأمنية في حجم تحديات شعوب المنطقة.

ويمكن الإقرار بفشل الدبلوماسية التونسية في تحريك موضوع الاتحاد المغاربي رغم الزيارات المتعددة لرئيس الحكومة التونسي ولوزير خارجيته لدول المغرب العربي. ولا بد من التذكير بأن رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي اكتفى من دول المغرب العربي الخمس بزيارة يتيمة إلى الجزائر. وهذا يدل على أن تونس تفتقر لسياسة خاصة ولدبلوماسية موجهة نحو المغرب العربي.

الواضح أن السياسة التونسية فشلت في وضع دبلوماسية اقتصادية خارج سياسة المحاور في المغرب العربي. فالعلاقة التونسية الجزائرية تأثرت بالاتفاق العسكري الذي أمضاه الرئيس السبسي مع الولايات المتحدة الأميركية السنة الماضية. وهو ما خلق فتورا كبيرا في العلاقة بين الدولتين استوجب ماراطونا من زيارات المسؤولين من كلا الدولتين لم تنته إلى إعادة الثقة كاملة بين النظامين الجزائري والتونسي.

إن تونس مازالت تقرن سياساتها الاقتصادية بقرب مواقفها السياسية من هذه الدولة أو تلك. وهذا واضح في قضية الصحراء المغربية التي يعتبرها المراقبون الشوكة المدقوقة في خاصرة الاتحاد المغاربي. وهي قضية تحركها دول الاتحاد الأوروبي لا سيما أسبانيا وفرنسا لإفشال مشروع الوحدة المغاربية.

فإذا اقتربت تونس من الجزائر لا تنجح في الحفاظ على علاقة متينة مع المغرب والعكس صحيح. لكن الطريف أن الجزائر والمغرب الدولتين المتنازعتين في ملف الصحراء المغربية تحتفظان بعلاقات اقتصادية قوية، إذ تعد الجزائر الشريك الاقتصادي رقم واحد في أفريقيا للمغرب بحجم مبادلات يبلغ 13 مليار دولار تقريبا.

من الحلول التي أقرتها الحكومة التونسية بعث منطقة للتبادل الحر على الحدود مع ليبيا. بينما مازالت منطقة التبادل الحر مع الجزائر مؤجلة. وهذه الفكرة لم تطرح بعد في علاقة بالمغرب وموريتانيا.

ولكن دول المغرب العربي لا سيما تونس والجزائر والمغرب وبدرجة أقل موريتانيا تخوض مفاوضات منفردة للتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي. وهي لم تنجح في تنسيق رؤاهـا في هذه المسألة بما يعزز مواقفها نحو الدفاع عن مصالحها، بل إن بعضها ينافس البعض الآخر في الفوز بالاتفاق قبل غيره.

وهذا ما يجعل الاتفاقات المنفردة لكل دولة من دول الاتحاد المغاربي مع الاتحاد الأوروبي متعثرة لا تحقق الحد الأدنى من مصالح شعوب المنطقة. ففي الوقت الذي يحدد فيه الاتحاد الأوروبي أهدافه بدقة ويفرض شروطه على دول المنطقة، انطلقت جولة جديدة متقدمة من المفاوضات لإنشاء منطقة للتبادل الحر مع تونس دون أن تنجح تونس في تضمينها حق التنقل الحر إلى حد الآن.

الاتحاد الأوروبي يريد من تونس والمغرب فلاحتهما. ويريد من الجزائر مخزوناتها الغازية. ويريد من ليبيا ثرواتها النفطية العائمة. وعينه على الثروات السمكية الموريتانية. بينما تعجز دول الاتحاد المغاربي على تلبية حاجيات بعضهـا البعض من الثروات التي تملكها وتفيض عن حاجتها وتفرط فيها للاتحاد الأوروبي بيسر، وتعسر تمكين جيرانها منها. وهذا ما يجعل تونس تتخبط لتحقيق حاجياتها من الطاقة فيما تهب منتوجاتها الفلاحية العزيزة بأثمان بخسة للاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت الذي يستفيد فيه رأس المال الأوروبي بالتسهيلات الجبائية الخرافية في الاستثمار وباليد العاملة التونسية المتخصصة، ما زال رأس المال المغاربي مهووسا بأوروبا يودعها أمواله ويستأمنها على ثرواته واستثماراته. إن الاتحاد المغاربي حلم لم يكتمل وأمل في الخلاص من الهيمنة الأوروبية على مصائر شعوب المنطقة عجزت الأنظمة المغاربية على تحقيقه.

مصطفى القلعي

كاتب وباحث سياسي تونسي

 

لا تعليقات

اترك تعليق